إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
470
الإعتصام
فإذا تقرر هذا ظهر به أن التعيين للفرقة الناجية بالنسبة إليها اجتهادي لا ينقطع الخلاف فيه وإن ادعى فيه القطع دون الظن فهو نظري لا ضروري ولكنا مع ذلك نسلك في المسألة - بحول الله - مسلكا وسطا يذعن إلى قبوله عقل الموفق ويقر بصحته العالم بكليات الشريعة وجزئياتها والله الموفق للصواب فنقول لا بد من تقديم مقدمة قبل الشروع في المطلوب وذلك أن الإحداث في الشريعة إنما يقع إما من جهة الجهل وإما من جهة تحسين الظن بالعقل وإما من جهة اتباع الهوى في طلب الحق وهذا الحصر بحسب الاستقراء من الكتاب والسنة وقد مر في ذلك ما يؤخذ منه شواهد المسألة إلا أن الجهات الثلاث قد تنفرد وقد تجتمع فإذا اجتمعت فتارة تجتمع منها اثنتان وتارة تجتمع الثلاث فأما جهة الجهل فتارة تتعلق بالأدوات التي بها تفهم المقاصد وتارة تتعلق بالمقاصد وأما جهة تحسين الظن فتارة يشرك في التشريع مع الشرع وتارة يقدم عليه وهذان النوعان يرجعان إلى نوع واحد وأما جهة اتباع الهوى فمن شأنه أن يغلب الفهم حتى يغلب صاحبه الأدلة أو يستند إلى غير دليل وهذان النوعان يرجعان إلى نوع واحد فالجميع أربعة أنواع وهي الجهل بأدوات الفهم والجهل بالمقاصد وتحسين الظن بالعقل واتباع الهوى فلنتكلم على كل واحد منها وبالله التوفيق . النوع الأول : إن الله عز وجل أنزل القرآن عربيا لا عجمة فيه بمعنى أنه جار في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب قال الله تعالى « إنا جعلناه قرآنا عربيا » وقال تعالى « قرآنا عربيا غير ذي عوج » وقال تعالى « نزل به الروح الأمين » « بلسان عربي مبين » وكان المنزل عليه القرآن عربيا افصح من نطق بالضاد وهو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وكان الذين بعث فيهم عربا أيضا فجرى الخطاب به على معتادهم في لسانهم فليس فيه شيء من الألفاظ والمعاني إلا وهو جار على ما اعتادوه ولم يداخله شيء بل نفى عنه أن يكون فيه شيء أعجمي فقال تعالى « ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين »